رئيس التحرير

محمد الأمين محمد الهادي

يصدرها مكتب الإعلام في

جمعية المؤاخاة

العدد 28- السنة الثانية - 15/12/1999م

بحوث ودراسات

فرصة نادرة
لحـل الأزمة الصومالية

بقلم: د.إبراهيم الدسوقي

مدير مركز الدراسات الإنسانية في مقديشو


سيظل الشعب الصومالي مديناً لرئيس جمهورية جيبوتي الشقيق السيد إسماعيل عمر جيلي وسيذكره التاريخ في أزهى صفحاته، وسيبقى اسمه محفوظاً في ذاكرة الأجيال المتعاقبة من هذا الشعب، إذا ما كللت مساعيه الحميدة بالنجاح، وقدّر لمبادرته الجديدة أن تكون سبباً لخروج الصومال من مستنقع الفوضى والاحتراب، وإيجاد حل للمعضلة السياسية التي حار العالم في فهم كنهها، وحل لغزها المحير، وتفسير طلاسمها المعقدة، كما سيكون مؤهلاً لنيل جائزة نوبل للسلام في حالة نجاح هذه المبادرة القيمة التي نعلق عليها الكثير.
على الشعب الصومالي الذي اكتوى بنيران الحرب الأهلية واصطلى بلهيب التناحرات القبلية البغيضة أن يستقبل هذه الفرصة النادرة التي قد لا تتكرر.
وعلى النخب القيادية من هذا الشعب من العلماء والوجهاء والأعيان والمثقفين ورجال الأعمال، بالإضافة إلى القيادة النسوية أن يبذلوا قصارى جهدهم في الاستفادة من هذه الفرصة الغالية 100%، ولكن ما فرص نجاح هذه المبادرة، وما أهم العوامل والأسباب لنجاحها؟
يبدو أن مبادرة فخامة الرئيس إسماعيل عمر جيلي رئيس جمهورية جيبوتي الجديد جاءت على قدر، وسط أجواء ملائمة وظروف مناسبة على كافة الأصعدة، ولا يعكر صفوها سوى بعض المبادرات الجانبية وغير المدروسة التي تقوم بها بعض الدول الإفريقية في إطار منظمة "إيجاد" أو خارجها.
ويمكن تلخيص النقاط الرئيسة والعوامل الحفَّازة لنجاح هذه المبادرة فيما يلي:
1 ـ تقلص دور بارونات الحرب في مجريات الأحداث في الصومال بعد أن انكشف سوء طويتهم للشعب وتعرت ألاعيبهم واتضح للجميع وضوح الشمس في رائعة النهار عدم قدرتهم على تحقيق المصالحة الوطنية المنشودة، وتشكيل حكومة الوحدة الوطنية التي لا تزال أمل الجماهير بعد أن سجلوا فشلهم الذريع في كل المستويات علاوة على ذلك، فإن اقتناع المجتمع الدولي باستثناء بعض النتوءات الشاذة والهامشية بضرورة كبح جماح زعماء الفصائل المتناحرة وتحجيم دورهم في عمليات المصالحة يصب في هذا المسار.
تجدر الإشارة إلى أن هناك قناعة متنامية لدى الكثير من زعماء العالم بأن معظم بارونات الحرب في الصومال يحبذون أن تستمر الأوضاع الحالية في الصومال على منوالها الحالي، لأنهم يجنون من ورائها منافع ذاتية وفئوية، ويحققون من خلالها مصالح شخصية كبيرة، وخير شاهد على ذلك ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ ما جاء في تقرير الأمين العام للأمم المتحدة كوفي عنان حول الأوضاع الحالية في الصومال والذي نشر في 16-8-1999م، وقدم إلى مجلس الأمن لاتخاذ القرارات المناسبة حول هذا الشأن، حيث يقول في الصفحة 20، الفقرة الرابعة من التقرير: "لم يكن زعماء الفصائل الصومالية وبارونات الحرب مستعدين للتخلي عن مصالحهم الشخصية لحساب المصالحة الوطنية، لأن استمرار الأوضاع الحالية في الصومال على منوالها الحالي أربح لهم وأكثر فائدة بالنسبة لهم".
وسبق أن أصدر مثل هذا الحكم على بارونات الحرب في الصومال وزير خارجية مصر عمرو موسى في تصريح أدلى به لمجلة المصور عام 1998م، حيث قال: "من المؤسف حقاً أن كثيراً من زعماء الفصائل الصومالية يحبذون أن تستمر الأوضاع في بلدهم على ما هي عليه الآن، لأن ذلك قد يكون أجدى لهم في حسابات المصالح الشخصية أو المكاسب المادية".
وعلى الصعيد الداخلي، فإن الزعامات الجبهوية أو بارونات الحرب في الصومال، قد أفلسوا في الأسواق المحلية، وبارت بضاعتهم السياسية المزجاة، وتدنت شعبيتهم إلى مستوى الحضيض وانفض أنصارهم من حولهم، ولا يعير أحد أدنى اهتمام لاجتماعاتهم الفارغة من أي مضمون، أو مؤتمراتهم الخالية من أي محتوى، حيث تفتقد المصداقية جراء الفشل الذريع الذي منيت به عشرات المؤتمرات للمصالحة.
2 ـ تنامي الوعي العام لدى الجماهير بعد أن أصيبوا بخيبة أمل إزاء مبادرات المصالحة الوطنية التي يحضرها فقط زعماء الفصائل، مما أدى إلى اقتناعها بضرورة البحث عن أطروحات جديدة وحلول بديلة، لأن المعادلة القديمة وصلت إلى طريق مسدود.
3 ـ ظهور فاعليات سياسية واجتماعية واقتصادية جديدة في مختلف المحافظات، مرشحة لملء الفراغات، واحتلال المواقع التي انحسر عنها نفوذ الزعامات الجبهوية، فظهرت في الساحة الصومالية في الآونة الأخيرة مظلات قوية وفاعلة لمنظمات المجتمع المدني تسعى لتلعب دوراً فاعلاً في مجريات الأحداث السياسية والاجتماعية في البلاد، وتدلي بدلوها في عملية البحث عن حلول ناجعة للمعضلة السياسية في الصومال، كما بدأت تظهر النواة الأولى لقيادات شعبية غير جبهوية تكون في نهاية المطاف بديلة عن الجبهات، وتضم في عضويتها العلماء والوجهاء والأعيان والمثقفين والتجار، وكذلك القيادات النسوية أو بعبارة أخرى ممثلين عن كافة شرائح المجتمع الفاعلة.
وكل هذه القوى الصاعدة والمتنامية على حساب الجبهات تفتح الباب على مصراعيه أمام إمكان مشاركة الفاعليات غير الجبهوية في مؤتمرات المصالحة القادمة، مما يتيح لها فرصاً أكبر للنجاح، ولمبادرة فخامة الرئيس إسماعيل عمر جيلي رئيس جمهورية جيبوتي أرضية مناسبة وتربة صالحة ومناخ ملائم.
4 ـ تنامي قناعة غالبية المجتمع الدولي وخاصة الدول والمنظمات المعنية بالقضية الصومالية بضرورة توسيع قاعدة المشاركة الشعبية في الجهود المبذولة لإحلال السلام وإيجاد حل للمعضلة السياسية في الصومال وعدم حصر هذه الجهود في دوائر الزعامات الجبهوية التي كانت السبب الرئيس لفشل الجهود السابقة.
وعلى الرغم من هذه العوامل الإيجابية الكفيلة بنجاح مبادرة رئيس جمهورية جيبوتي وتوافر مناخات ملائمة لها إلا أنه ينبغي عدم الركون إلى المبالغة في التفاؤل واستسهال العقبات التي قد تعترض طريقها، حيث إنه مازال هناك بعض الألغام التي يجب كسحها عن الطريق، ومن أبرز هذه العقبات:
ـ وجود بعض المبادرات الجانبية التي تقوم بها بعض الدول المعنية بالقضية الصومالية والتي لا تتناغم ومستجدات الساحة الصومالية، بل تعيش في واقع أكل عليه الدهر وشرب، وتتعامل مع الزعامات الجبهوية وكأنها الممثل الشرعي الوحيد للشعب الصومالي، واعتبار الساحة الصومالية خالية عن فاعليات أخرى كأنما عقمت أرحام أمهات الصوماليين عن إنجاب قيادات غير زعماء الفصائل.
ومن المؤسف حقاً أن نسمع ونحن نستعد لمبادرة رئيس جمهورية جيبوتي السيد إسماعيل عمر جيلي عن لقاءات تعقد في بعض دول الجوار ودعوات تقدم إلى زعماء الفصائل على لسان رئيس دولة مجاورة نكن له كل الاحترام والتقدير، والجدير بالملاحظة أن سبب بقاء هذه الزعامات يكمن في مثل هذه الدعوات التي تقدم إليها من حين لآخر لمشاركة في مؤتمر أو حضور مناسبة أخرى.
فهلا وعت تلك الدول هذه المعادلة البسيطة، واستوعبت هذه الحقيقة البدهية الواضحة وامتنعت عن إطالة معاناة الشعب الصومالي الذي يعاني الأمرين جراء التعامل مع بارونات الحرب كممثلين وحيدين للشعب الصومالي.
إن الاستمرار في لعبة شد الحبل بين الدول المعنية بالقضية الصومالية والإصرار على سياسة استقطاب زعماء الفصائل الصومالية لحسابات إقليمية أو دولية أو حتى أمنية بحتة مما قد يضع المزيد من العقبات والعراقيل أمام مبادرة رئيس جمهورية جيبوتي، تقف كعقبة كأداء أمام إيجاد حل للمعضلة السياسية، وللمأساة الإنسانية في الصومال، وبالتالي يجب على المجتمع الدولي وخاصة الأمم المتحدة وأمينها العام وأعضاء منظمة "إيجاد" المكلف من قِبَلِ الأسرة الدولية لمتابعة ملف الصومال، أن تعمل على توحيد الجهود المبذولة والمساعي الجارية من أجل المصالحة الوطنية في الصومال أو على الأقل تحقيق نوع من التنسيق الذي يكفل توجيه هذه الجهود نحو اتجاه واحد.
ـ احتمال فشل المساعي المبذولة حالياً والرامية إلى تكوين قيادات شعبية غير جبهوية بديلة، فعلى الرغم من أن الظروف مهيأة والمناخات ملائمة لميلاد هذه القيادات، إلا أن العملية ليست خالية من المطبات.
وعلى الرغم من أننا نتمنى لهذه الجهود أن تكلل بالنجاح، وعلى الرغم من أننا ندعو أهل الخير من هذا البلد إلى المشاركة الفاعلة في هذه الجهود الخيرية، إلا أننا نعبر عن قلقنا حول إمكان تسلل بعض العناصر الشريرة إلى فاعليات المؤتمرات، لزرع بذور الشقاق، وإفساد الوئام وتحريف المؤتمرات عن أهدافها الوطنية.
ـ إمكان ظهور معضلة اقتسام المناصب الرئيسة في الحكومة القادمة، وخاصة منصبي رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الوزراء في الساحة بعد انعقاد المؤتمر وحضور الوفود المشاركة فيها والحائزة على تفويض حقيقي من الشعب، لأنها خرجت من أحشائه بولادة طبيعية لا قيصرية، وتعد هذه المشكلة من أعقد المشكلات وأخطر المطبات التي يجب الاستعداد لها، والتخطيط الدقيق لاجتيازها، لأنه مهما أبدى الممثلون لمختلف المحافظات والمناطق من ضروب المرونة وضبط النفس، إلا أن هناك خطوطاً حمراء لا يمكن لهم أن يتجاوزوها لأنه بفعل التراكمات الطويلة تولد لدى القبائل الرئيسة قناعات شبه كاملة حول قضية اقتسام المناصب الرئيسة في الحكومة بحيث تتطلع كل قبيلة من هذه القبائل الرئيسة إلى الحصول على منصب معين، ولا يمكن أن تغفر لأي زعيم ما لم يحقق لها طموحاتها السياسية.
ولذلك فإن التركيز على إجراءات عقد المؤتمر وحدها ينبغي ألا تصرف أنظار المعنيين عن علاج هذه المشكلة المستعصية وإعداد الجماهير لضرورة تقديم تنازلات حول هذا الموضوع لصالح القضية الوطنية العامة، أو بعبارة أخرى تهيئة نشطاء القبائل الرئيسة لقبول منصب أقل مما كانوا يطمحون أو يتطلعون إليه في سبيل إنقاذ البلد، وتقديم المصلحة العامة على المصلحة الفئوية، ومن دون هذه الروح والتخلي عن المواقف المتشددة لا يمكن أن تؤتي هذه المؤتمرات أكلها، بل يصير مآلها الفشل والخسران كغيرها من المؤتمرات السابقة.
هذه أبرز العقبات التي يمكن أن تعترض طريق مبادرة السلام والمصالحة التي أعدها فخامة الرئيس إسماعيل عمر جيلي رئيس جمهورية جيبوتي، وعلى كل من له ضمير حي، وقلب نابض من المسؤولين الصوماليين أن يقف إلى جانبها وأن يقدم لها كل ما يملك من جهد ووقت ومال وفكر لإنجاحها حتى تدخل الصومال في الألفية الثالثة وقد خرجت من حمأة الفوضى والتناحر، وكلها أمل ونشاط وقوة وطاقة تمكنها من التطلع إلي الالتحاق بركب الأسرة الدولية المتحضرة، والمتحررة من ربقة الاستبداد والتخلف بكافة أشكاله وصوره، أما إذا ضيعنا هذه الفرصة ـ لا سمح الله ـ فقد تضيع الصومال

          عـودة