من مجــلة الكــــويتية

>الوجه الآخر للأزمة الصومالية

بقلم :عبدالله عبدالمجيد (مقديشو)

ندرك جميعاً الآثار السلبية التي خلَّفتها الحرب الأهلية الصومالية والحرب الأمريكيةالصومالية والهتك المتكرر للحدود من قبل القوات الإثيوبية ودور المليشيات المسلحة وتدخل القوى الأجنبية التي لاتريد الخير للصومال.
ولكن ما نريد أن نتعرض له هنا هو الوجه الآخر المجهول للأزمة الصومالية الذي لايعرفـه إلا القليل من الناس الذين ربما أتيحت لهم زيارة الصومال في الآونة الأخيرة.
فليس كل مايجري في الصومال سلبياً بالدرجة التي يروِّج لها الإعلام الخارجي وليست الصورة قاتمة إلى هذا الحد الذي تصوره الشاشات ووسائل الإعلام الأخرى، فقد تطورت جوانب كثيرة من صور الحياة في الصومال وأصبح حالها الآن أفضل مما كان عليه الوضع قبل انهيار الدولة فعلى سبيل المثال لا الحصر. ازدهرت ـ وبشكل لا نظـير له ـ التجارة على الرغم من الظروف الأمنية السائدة، ازدهرت التجارة بقسميها الخارجي والمحلي ونمت التجارة الخارجية سواء في الصادر منها أو الوارد مع العالم الخارجي المتمثل بالدول المجاورة أو الدول التي لها علاقات تجارية تقليدية مع الصومال كدول الجزيرة العربية ودول شرق آسيا وإيطاليا وغيرها من دول الوحدة الأوروبية.
وأوضح مثال لهذا النماء التجاري ما أعلنته دولة الإمارات في مهرجانها التسويقي الأخير من أن الصومال أصبحت ثاني أكبر شريك تجاري للإمارات بعد إيران، كما أن الصومال يعتبر من أهم الدول المصدرة للموز وبعض الفواكه الأخرى إلى دول السوق الأوروبية المشتركة عن طريق إيطاليا وكان الموز الصومالي من الصادرات التي فجَّرت المعركة التجارية الأخيرة بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة.
كما ازدهرت الزراعة بعد سقوط النظام الاشتراكي الذي أمم الأراضي مما جعل المزارعين يعزفون عن الزراعة في حينه، إلا أنهم اتجهوا الآن إلى حقولهم الزراعية بعد زوال الأسباب التي جعلتهم يعزفون عن الزراعة مما جعل المنتجات الزراعية تتضاعف في الآونة الأخيرة على الرغم مما أصاب البلاد من الفيضانات أحياناً والجفاف أحياناً أخرى بل إن المنتجات الزراعية ازدهرت حتى في المناطق الشمالية للبلاد التي لم تشتهر أصلاً بالزراعة مقارنة بالمناطق الجنوبية الواقعة على ضفاف الأنهار، مما يدل على أن الصوماليين أقبلوا على الزراعة وهذا يبشر بخير عميم.
كما تطورت المواصلات الجوية والبحرية والبرية بشكل لافت للنظر، فبينما كانت الخطوط الجوية الصومالية التي كانت تملكها الدولة تملك طائرتين فقط لتسيير رحلات إلى بعض الدول التي فيها كثافة صومالية وكان المسافرون من وإلى الصومال ينتظرون الساعات الطوال في مطارات العالم، كما أن السفر إلى الداخل كان يعتمد على السيارات وغيرها من الوسائل التقليدية، لكن ما حدث بعد الأزمة في هذا المجال يمثل نهضة حقيقية حيث نظمت شركات أهلية صومالية رحلات جوية من الصومال وإليه بصورة شبه يومية، فهناك رحلات يومية لشركات طيران صومالية من دبي والشارقة وجدة وجيبوتي ونيروبي إلى مقديشو وهرجيسا وبربرة وغيرها من المدن الصومالية الكبيرة، كما أن تلك الشركات نظمت رحلات داخلية من العاصمة إلى كل أنحاء الجمهورية، كما أن النقل البحري والبري تطور وشمل الصومال الكبير بأجمعه، أما الاتصالات السلكية واللاسلكية فكان تطورها أثناء الأزمة مذهلاً حتى إن الهواتف المحمولة والفاكسات وغيرها موجودة في كثير من المدن والبلدان والقرى، بينما كان وجود التليفونات قاصراً في عهد النظام السابق في بعض عواصم الأقاليم وبشكل ضيق.
أما في مجال التعليم ـ وهو الأكثر تضرراً بانهيار الحكومة المركزية فإن الأهالي وبقيادة رجال الصحوة الإسلامية قاموا بمحاولة سد الثغرة التي تركها انهيار المؤسسة التعليمية بمراحلها المختلفة، فتم افتتاح مدارس أهلية بمختلف المراحل في معظم عواصم المحافظات حتى توّج هذا الجهد بافتتاح جامعة مقديشو في العام الدراسي 97 ـ 98 ليلتحق بها مئات من الشباب الصومالي المتعطش إلى التعليم الجامعي، وقد شقت هذه الجامعة طريقها رغم الصعاب بخطى ثابتة، وتحوي هذا العام الدراسي الحالي أربع كليات هي: كلية الشريعة والقانون، وكلية الآداب، وكلية التربية، وكلية الاقتصاد والعلوم الإدارية.
وأهم من ذلك أن الصحوة الإسلامية التي كانت تعاني من اضطهاد النظام الدكتاتوري الذي كان قائماً في البلاد حيث منعها من أداء دورها في توجيه الشعب إلى التمسك بالشريعة ونبذ عوامل الهدم والفرقة التي بدأت تنخر في المجتمع الصومالي، مما أدى إلى نشوب الحرب الأهلية المدمرة.
هذه الصحوة ـ قامت بدور فاعل في إنقاذ الشعب من براثن الحرب فأسس شباب الصحوة جمعيات خيرية تعنى بالجوانب الاجتماعية كالإغاثة والرعاية الصحية وكفالة الأيتام وغيرها.
ومن هذه الجمعيات جمعية الإصلاح الخيرية، وجمعية أودل الخيرية في بورما، وجمعية التنمية في هرجيسا، وجمعية التضامن الخيرية في وصاصو، ومؤسسة زمزم الشهيرة في اهتمامها بمجالي الصحة والتعليم، كما أسسوا المجلس الصومالي للمصالحة الذي أخذ على عاتقه إطفاء نار الحرب والفتنة، كلما أوقدها المجرمون من زعماء الحرب ومليشياتهم، كما أن من مهمة هذا المجلس إصلاح ما أفسده الآخرون في شتى المجالات السياسية والاجتماعية وغيرها.
وفي ظل انعدام النظام المعادي للدعوة الإسلامية قام العلماء والدعاة والمصلحون بواجب الدعوة باستخدام كل الوسائل الدعوية من خطب ومواعظ وإقامة حلقات دراسية لشتى العلوم الإسلامية والعربية على الطريقة الصومالية التقليدية.
ومن ثمار هذا الجهد المبارك فقدان زعماء الحرب لشعبيتهم بعد أن فهم أتباعهم نواياهم الشريرة وعمالتهم للأجنبي وإفلاسهم السياسي.
كما أن من ثمار هذا الجهد مايلمسه أي زائر للصومال من انتشار الحجاب بين النساء والفتيات واختفاء ظاهرة التبرج والسفور وأوكار الجريمة بصورة كلية وقد عمَّت ظاهرة الصحوة ونشاطاتها أرجاء الصومال حتى القرى والريف والبوادي، مما يدل على أن مستقبل الشعب الصومالي، على الرغم من القتامة الحالية ـ سيكون إلى خير، وأن أهل الفتنة والفساد والعلمنة والقبلية البغيضة لا مكان لهم في المجتمع الصومالي فيما يستقبل من الزمان بإذن الله تعالى، وما ذلك على الله بعزيز